لماذا لا ينجح مشروع مبني على (اعملوا من أجلي الآن وأقاسمكم الأرباح لاحقا)؟

بدايةً لأن (اعملوا من أجلي الآن وأقاسمكم الأرباح لاحقا) ليس نموذج عمل معتبر أصلا، ولكن للأسف لا يعرف من يضع مثل تلك العروض ما هو نموذج العمل التجاري من الأساس.
منذ مدة وأنا أحد المشاركين وزوار موقع حسوب io (أكثر المواقع العربية النقاشية زيارة) ويتمتع هذا الموقع بكثير من الايجابيات والسلبيات، لكنه في جميع الأحوال منبر مفيد للعرب المهتمين بمختلف المواضيع التي تدور حولها مجتمعات هذا الموقع.
والزائر الدائم لهذا الموقع يلاحظ بين الفينة والأخرى تكرار بعض المواضيع المعينة، لن نفصل فيها كلها وسنأخذ موضوعا تراه بين الفينة والأخرى وهو شاب عربي يفتح موقعا أو لديه فكرة مشروع ما ويطلب مصممين ومدونين ومترجمين ومسوقين وما إليه للمشاركة معه في مشروعه الناشئ وفي البداية ليس هناك أي رواتب لكن الشاب يعد المشاركين معه بتقاسم الأرباح (لما يكبر الموقع ويصبح يدر دخلا كافيا).
الفكرة للخبراء سخيفة حقا ولا تحتاج للمناقشة أصلا إذ أنها تنتهك العديد من المبادئ الأساسية لأي عرض تجاري ولأي نموذج عمل تجاري سليم والكثير من الخبراء في حسوب قد علقوا تعليقات مفيدة على مثل هذه المواضيع لكني في هذا المقال سأطرح خمسة أسباب لعلها تفيد واضعي مثل تلك العروض سواء على حسوب أو أي مكان آخر على النت.

الخلط بين نماذج الأعمال التجارية

نموذج الشركات المبني على المشاركة (سواء بالوقت أو المال) مختلف عن نماذج العمل التجارية الربحية، المشكلة في أصحاب العروض أنهم لا يعرفون الفرق. فهم يطلبون من المشاركين وضع الجهد في مشروع مجهول المستقبل وعلى فرض النجاح لا توجد أي ضمانات على الحصول على المقابل الموفي بحق الجهد. في العادة ألاحظ بشكل جدي أن مقدمي العروض هؤلاء لا يكتفون فقط بعدم قرائتهم لكتاب ريادي واحد في حياتهم وحسب، بل حتى مطالعة مقال يشرح كيف تقدم عرضا فعالا. وهذا ما يؤدينا للنقطة الثانية:

العرض المقدم طفولي وليس احترافيا

يفتقر العرض المقدم لكل مقومات العروض السليمة فهو يبدأ بعنوان خادع غير صحيح ولا يتبع الخطوات المنطقية في عرض الفكرة وطرح المطلوب، مثل التسرع في طرح المطلوب قبل فهم المشروع أساسًا وهناك من فاق الجميع دهاء بطلب الاستثمار والمشاركة في فكرة (مجهولة) بحجة حمايتها من السرقة الخ… والعين الخبيرة تستنتج من العرض عدة أمور قد لا يدركها واضع العرض وهي اللغة الطفولية لطرح العرض، صاحب المشروع المفترض لم يطالع كيفية تقديم العروض أساسا، النبرة المتسرعة والمتلهفة في النص، انعدام كلي لدراسة أولية للسوق، لا يوجد أي صور توضيحية أو تمهيدية أو رابط تجعل المشارك يقتنع أو يراود نفسه حتى على الاقتناع، والنبرة العاطفية المتقدة المبنية على حماس يعرف الرواد الحقيقيون أنه سريع الاشتعال سريع الانطفاء ولا يعول عليه…الخ
هنا نصل للنقطة الثالثة وهي:

صاحب المشروع لا يتمتع بالخبرة الكافية

ليس عيبا أن يبدأ الواحد مشروعه الأول بتقديم عرض جيد لمستثمرين وشركاء محتملين أبدا بل هذه هي الطريقة المنتشرة جدا حاليا.. لكن كما أنه لا تنجح كل العروض لا بد لصاحب المشروع أن يدرس قليلا عن العروض والمشاريع ونموذج العمل التجاري قبل طرحه لمشروعه أو طلب شركاء.
قرأت الكثير من طلبات المساعدة في مشاريع ثم تقاسم الأرباح في حسوب كما أخبرتكم آنفا والملاحظ فيها أن كاتبها كما قلنا لم يقم ولو بجهد بسيط في دراسة الأمر من قبل مما يعني عدم قابليته الفعلية لأن يُعتمد عليه في ادارة مشروع مهما كانت بساطته.
لا يفهم هؤلاء الناشئة أنه حتى بوجود تمويل محترم وفريق جيد ومن الصعب ادارة الموظفين وأن المدير لا بد أن يكون محنكا ويتعامل جيدا معهم وأن الموظفين عن بعد يختلفون في ادارتهم عن الموظفين في مكتب الخ ولذلك تنشر مجلة هارفارد بزنس ريفيو عشرات المقالات في هذه المواضيع لكن للأسف الناشئة لا تطالع وثقافتها الريادية ضحلة ومنعدمة في الغالب ومبنية على الأحلام الوهمية وأوهام الشهرة والانتشار السريع دون جهد يذكر.

الفكرة مبنية على العاطفة لا المنطق التجاري السليم

بعد أن تابعت مثل هذه المواضيع على حسوب والشبكات الاجتماعية يتضح من ردود أفعال من طرح موضوع المشروع والمساعدة فيه (ثم تقاسم الأرباح لاحقا-لا بد أن لا تنسوا هذا وتثقوا به!) لما يضع أحدهم ردا منطقيا سليما يتسرع أصحاب المشاريع الافتراضية بالتباكي وأن العرب لا ينفعون وأنهم يحطمون أصحاب الأفكار العظيمة وأن الذي رد عليهم يثبط الآخرين على المشاركة وهذا ما يثبت لنا بلا يدع مجالا للشك نقطة الطفولية والتسرع والتلهف وأن المشروع مبني على عاطفة متأججة وليس دراسة جيدة موضوعية.

عدم الانتباه للعواقب، مع فقدان الحس الاداري كلية.

لا يطرح أصحاب العروض الوهمية على أنفسهم سؤالا مثلا: ماذا لو شارك معي مدون وكتب 400 تدوينة ثم توقف وذهب لشأنه ووقتها لم يكن الموقع يجني أي شيء. ثم فجأة مَنَّ الله عليه وأصبح الموقع بعد عام يجني المال كيف تحسب مستحقات المدون الذي ذهب عنك أم أنك سوف تحرمه بحجة أنه لما غادر ذلك اليوم أشعلك غضبا؟
سأترك السؤال مفتوحا لسيادة المدير (الذي حرق كل الخطوات دفعة واحدة من انسان بسيط لمدير مشروع ذو عشرين موظفا سيسدد رواتبهم لاحقا ويشاركهم الأرباح كي لا تنسوا!!) لأني متأكد أنهم لم يفكروا بهكذا قضية. ومثل هذه الجزئيات كثيرة جدا في العمل الاداري ومع افتقارهم للخبرة –ودعنا لا نقسو عليهم فهذا مشروعهم الأول- فإنهم مفتقرين لاهم شيء يميز رواد الأعمال –قابلية التطور- والقدرة على تعلم الجديد كل يوم.

دعنا نختم بالقول أن التعمق كثيرا جدا بشكل مفرط في فهم ألوف المصطلحات الخاصة بالريادة وقراءة مئة كتاب وحضور عشرات المسرعات والمسابقات والحاضنات لا يجعل منك كذلك رائد أعمال يرطن بما لا يُتقن والحل المثالي هو التوازن والتوسط بين دراسة جدية واجتهاد ومثابرة حقيقيين وبين حس من المغامرة لا التهور وبين فريق جيد وتخطيط حسن إلى البصمة الشخصية لمشروعك التي تجعل كل هذا المزيج خلطتك السرية للنجاح المنتظر. لأنه كما يعرف الناجحون قصص النجاح غير قابلة للنسخِ.

author 2017-09-10
author التعليقات على لماذا لا ينجح مشروع مبني على (اعملوا من أجلي الآن وأقاسمكم الأرباح لاحقا)؟ مغلقة
author 294