لجعل الذكاء الاصطناعي يُفكّر مثل البشر لا بد أن ندعمه بدارات قادرة على النسيان!

يقول المثل العربي “النسيان نعمة” فهل هو كذلك بالنسبة لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي ؟ هذا ما سنكتشفه في هذا المقال.

كل عام تقترب الحواسيب أكثر فأكثر من القدرة على “التفكير” مثل البشر. وبدلا من اتباع التعليمات بشكل روتيني أصبح الذكاء الاصطناعي الآن قادرا على التعلّم. وبدلا من القيام بمهمة واحدة في زمن واحد تستخدم الشبكات العصبية “العصبونات المركبة” لإجراء العديد من المهام في آن واحد. وبوصولنا لهذه المرحلة من المتوقع أنه وبدلا من الكتابة على البيانات القديمة في كل مرة تتعلم فيها شيئا جديدا فإن الدوائر التكنولوجية المستقبلية قد يكون لها القدرة على “النسيان” التدريجي للمعلومات التي لم تعد بحاجة إليها.

تذكر أن تنسى

قد تعتقد أن التعلم أمر ضروري لنجاتنا وبقائنا على قيد الحياة وأن حقيقة نسياننا لمعلومات ثغرة ضارة في برمجتنا البيولوجية. لكن تصور أنك في كل مرة تذكر فيها شيئا جديدا تضطر إلى التعامل مع كل تلك المعلومات القديمة التي لم تعد ضرورية بالنسبة لك. ماذا لو كان دماغك عندما تسعى لإيجاد سيارتك الجديدة في موقف السيارات يتعامل مع كل تلك السيارات التي امتلكتها في حياتك من قبل لإيجاد السيارة التي تبحث عنها الآن؟ وهكذا سيستغرق منك فعل أي شيء زمنا طويل جدا للقيام به. بدلا من ذلك يتصفح الدماغ بسرعة تجاربك القديمة في البحث عن سياراتك السابقة قبل أن يركز في البحث عن سيارتك الجديدة، وهكذا بعد المرات الأولى ينتهي الأمر بالدماغ “لنسيان” البحث عن السيارة القديمة تماما.
لكن الذكاء الاصطناعي لا يعمل على هذا النحو. في وقتنا الحالي من الممكن جدا تدريب الذكاء الاصطناعي على القيام بمهمة ما لكن من الصعب جدا اعادة تدريبه لأداء مهمة جديدة. فبناء على التكنولوجيا التي يستخدمها يميل النظام إلى الاحتفاظ بكل شيء تعلمه (كما لو أن كل سيارة ملكتها من قبل لديها نفس أهمية السيارة الجديدة). أو قد ينسى النظام خطأً السيارة القديمة لكن معها المعلومات المهمة كذلك (لقد كنت أملك سيارة سيدان لكن هل كانت هاتشباك أم لا؟). إذا استطاع الذكاء الاصطناعي أن يدمج المعلومات الجديدة كلما أتت بينما ينسى تدريجيا تلك القديمة التي لم تعد مهمة فقد يكون حينئذ أكثر فعالية وعملية. وهذا هو هدف التكنولوجيا الجديدة التي طورتها جامعة بوردو وسماها الباحثون المطورون “شبه-العضويات” organismoids

شهيق وزفير

كما ورد في الورقة البحثية في دورية ناتشر كومنيكايشنز Nature Communications عدد أغسطس 2017 صنع الباحثون أشباه العضويات من “مادة كمية” خزفيّة تدعى نيكلات السمريوم. عندما عرّض الباحثون هذه المادة لغاز الهيدروجين -أو كما وصف الباحث-المشارك شريرام رامانثان الأمر بقوله “عندما تنفست المادة الهيدروجين”- انفصل إلكترون من كل ذرة هيدروجين وارتبط بالنيكل في تلك المادة. وهذا ما حدّ من قدرة المادة على توصيل الكهرباء لكن بشكل مؤقت فقط. فعندما تُنحّي الهيدروجين جانبا تصبح المادة موصلة للكهرباء مرة أخرى. ومن خلال الضبط الدقيق لطريقة تنفس المادة لغاز الهيدروجين تمكن الباحثون من تغيير الطريقة التي تصل بها إلى البيانات. وهكذا تمكنوا من جعلها تتعلم وتنسى مثل الدماغ البشري.

“إذا مرت عليّ بعض المعلومات بشكل منتظم فإنني أعتاد عليها وأحتفظ بذكريات عنها. لكنني إن لم أرَ هذه المعلومات لفترة طويلة من الزمن حينئذ تبدأ بالتلاشي تدريجيا” كما قال الباحث-المشارك كوشيك روي. “وهكذا يعتبر سلوك توصيل الكهرباء صعودا وهبوطا بطريقة أُسية طريقة جيدة لإنشاء نموذج حوسبي جديد يستطيع التعلم تدريجيا وفي نفس الوقت قادر على نسيان الأشياء بطريقة سليمة”.

 


تمت الترجمة بتصرف من هذا المصدر.