مستقبل التجارة الإلكترونية بين دول الاتحاد الأوروبي

مستقبل التجارة الإلكترونية بين دول الاتحاد الأوروبي

بينما لا تزال الدول العربية تحبو في مجال دخولها إلى سوق التجارة الإلكترونية، فإن العالم يقطع أشواطًا في تعزيزها وتذليل المصاعب التي تعوق نموها، بحيث يمكنها أن تنمو وتزدهر، ومن هذا المنطلق يتحرك الاتحاد الأوروبي خلال السنوات الماضية إلى أن يطور من نفسه ليواكب التسارع الكبير في مجال التجارة الإلكترونية، محاولًا تنظيم التجارة التي يبلغ حجمها والتي يبلغ حجمها بين 22 – 25 تريليون دولار. فهل يمكن أن يتجاوز الاتحاد الخلافات بين أعضائه، والتي تصل في بعض الأحيان إلى مرحلة من تعارض المصالح بين الدول وبعضها البعض.

فعلى الرغم من التطور الكبير الذي قد تظهر به التجارة الإلكترونية الأوروبية إلا أن التقارير الصادرة عن الاتحاد الأوروبي تؤكد محلية التجارة الإلكترونية فيه، حيث يفضل 61% من المستهكلين الأوروبيين المنتجات المحلية في بلدانهم، بينما تتبادل دول الاتحاد فقط 38% هذا الأمر يضع الاتحاد في موضع حرج، إذ لا يمكن أن نتحدث عن اقتصاد أوروبي قوي ما لم تتحرر التجارة الإلكترونية الأوروبية من المحلية إلى القارية.

وقد أدرك «أندروس انسيب» المفوض الأوروبي للسوق الرقمية هذا الأمر، وأكد عليه في تصريحاته حينما قال: «هنالك حدود جغرافية رقمية موضوعة تمنع مائة مليون مواطن أوروبي من الحصول على بعض الأفلام السينمائية والكتب والموسيقى من خلال التجارة الإلكترونية». واستكمل حديثه منتقدًا الحالة االمحلية التي تشهدها السوق الأوروبية: «من المؤسف القول إنه لا يوجد سوق رقمية مشتركة حاليًا في الاتحاد الأوروبي بل لدينا ثمان وعشرون سوقا رقمية صغيرة منظمة بشكل يخلق الحواجز بين دول الاتحاد الأوروبي»

المشكلة ليست فقط في محلية التجارة الإلكترونية في القارة العجوز، هناك أبعاد أخرى ربما لا تقل خطورة عن الأولى، فبينما تقف الحواجز الرقمية في أوروبا عائقًا أمام الإفادة منها قاريًا، فإنها تسمح للخدمات والعروض القادمة من الولايات المتحدة والصين، والتي تشكل أكثر من 50% من قيمة التجارة الإلكترونية القادمة من خارج الدولة المستفيدة، وبالتالي لا يتبقى لدول الاتحاد سوى 48% فقط لتبادلها، وذلك من قيمة الــ38% من التجارة الإلكترونية غير المحلية في الاتحاد الأوروبي كما ذكرنا أعلاه.

ونتيجة استشعار الخطر دعا الاتحاد الأوروبي لعدة اجتماعات تستهدف وضع مزيد من الضوابط والتسهيلات التي يمكنها أن تيسر على مواطني الاتحاد الشراء من أي متجر أوروبي، والخروج من القوقعة المحلية، محاولًا خلق بيئة جيدة ومناسبة للتجارة الإلكترونية. وقد دعا الاتحاد الأوروبي إلى معالجة أربعة مسائل محددة لتأمين مناخ ملائم يُساعد في الوصول إلى اتفاق على التجارة الرقمية، هي: حماية المُستهلك، والسلوك غير القويم من الطرفين المتعاقدين، والتوقيع الإلكتروني، والعقود الإلكترونية.

فبالنسبة للقضية الأولى فقد أكدت الدراسات أن الكثير من المستهلكين الأوروبيين لا يشتكون في حالة تعرضهم لمضليقات أو سوء معاملة من قبل المتاجر الإلكترونية؛ وذلك خوفًا من الدخول في منزاعات وإشكاليات قانونية؛ لذا فعلى الاتحاد توفير حماية للمستهلك من أي عملية احتيال أو سوء معاملة. أما التوقيع الإلكتروني فهو عبارة عن جزء صغير مشفر من بيانات يضاف الى رسالة إلكترونية كالبريد الإلكتروني أو العقد الإلكتروني، وثمة خلط كبير في مفهوم التوقيع الرقمـي، حيث يظن البعض أنه أرقام ورموز أو صورة للتوقيع العادي. وهو ليس كذلك إذ تعد صورة التوقيع العادي بواسطة السكانر (الماسحة الضوئية) توقيعًا إلكترونيا. فالتوقيع الإلكتروني على رسالة ما عبارة عن بيانات مجتزأة من الرسالة ذاتها (جـزء صغير من البيانات) يجري تشفيره وإرساله مع الرسالة. بحيث يتم التحقق مـن صـحة الرسالة من الشخص عند فك التشفير، وانطباق محتوى التوقيع على الرسالة. ويـتم التوقيـع الإلكترونـي (الرقمـي) بواسـطة برنـامج كمبيـوتر خـاص لهـذه الغاية وباستعماله فان الشخص يكون قـد وقـع علـى رسـالته تمامـا كمـا يوقـع ورقيًا. ويستخدم التوقيع الرقمـي علـى كافة الرسائل الإلكترونية والعقود الإلكترونية.

غير أن الاجتماع لم ينجم عنه توصل الوزراء إلى اتفاق سياسي بشأن حزمة ضريبة القيمة المضافة للتجارة الإلكترونية. وقال نائب رئيس المفوضية الأوروبية المسؤول عن اليورو والحوار الاجتماعي «فالديس دومبروفسكيس» في مؤتمر صحفي «إننا نأسف لعدم تمكن الوزراء من التوصل إلى اتفاق سياسي بشأن حزمة ضريبة القيمة المضافة للتجارة الإلكترونية. بيد أن تقدماً جيداً قد أحرز ونأمل في التوصل إلى اتفاق»

وتهدف المقترحات الجديدة بشأن ضريبة القيمة المضافة إلى تسهيل عمليات شراء وبيع السلع والخدمات على الإنترنت في إطار خطة السوق الإلكترونية الموحدة للاتحاد الأوروبي. كما تهدف أيضا إلى تحسين تحصيل ضريبة القيمة المضافة على الخدمات الإلكترونية.

ولكن الطريق ليس معبدًا أمام دول الاتحاد الأوروبي في ظل التحديات التي تواجه، ولكن إذا كان الاتحاد الأوروبي الذي يعد أقوى تكتل اقتصادي وسياسي في العصر الحديث لا يمكنه أن يناقش المزيد من القضايا التي تتعلق بحرية التجارة الإلكترونية، فهل يمكننا الحديث عن مستقبل واعد للتجارة الإلكترونية؟

يبدو أن الأمر ليس كما يبدو، فالتجارة الإلكترونية لم تنطلق بقوة إلا في السنوات الخمسة عشر الأخيرة، وقد أصبحت الآن قوة لا يستهان بها، فيمكنها أن تحرك اقتصاديات الدول، بعدما شكلت نسبة جيدة من إجمالي التجارة العالمية. ولكن الحدود الجغرافية تقف حائلًا أمام تنامي التجارة الإلكترونية، فالدول تحب أن تمارس سيادها على نطاقها الجغرافي، وذلك عن فرض القيود والضرائب وتسلطها على كل ما داخل مظاق سيادتها.

ومع تزايد التفاؤل بما يمكن أن تحققه التجارة الإلكترونية خلال السنوات القليلة القادمة، وفي إطار مخططات الدول عامي 2020م و2030م، فإن التجارة الإلكترونية لن تتحرك وتتحرر تمامًا إلا بإرادة الشركات والمتاجر الإلكترونية، التي يجب أن تضعط أكثر على حكوماتها من أجل السماح لها بمزيد من الحرية.

وختامًا فإن كان الاتحاد الأوروبي يقف مكبلًا بين قوانينه وصراعات أعضائه، فإن التنامي المستمر في قطاع التجارة الإلكترونية لن ينتظر كثيرًا حتى تنحي دول الاتحاد صراعاتها جانبًا، فهناك عملاق صيني يتخذ موقعه ويرنو بنظره نحو عالمية التجارة الإلكترونية. وعلى الجانب الآخر تقف الولايات المتحدة صاحبة المركز الأول في تصدير منتاجته االكترونيًا لدول الاتحاد تتربص وتضغط لعل ذلك يفرج في القريب العاجل عن اتفاقيات دولية تعزز فرص حرية التجارة الإلكترونية لاسيما في المحاور الأربعة التي طرحها الأوروبي.

 

المصدر

 

حقوق الصورة البارزة